حفتر يقود حربا جديدة في ليبيا.. إفشال القمة العربية وتهديد الأمن القومي لتونس
-
24/24- لطفي الحيدوري
-
ما كادت القمة العربية تنهي أشغالها في تونس حيث اجتمع أغلب القادة العرب مشددين على ضرورة إنهاء الخلافات والصراعات في المنطقة، التي ساهمت في استنزاف الكثير من الطاقات والإمكانيات العربية، وتسببت في إضعاف التضامن العربي وأثّرت في الأمن القومي العربي، وفتحت المجال للتدخل الأجنبي، حتى أطلق المشير خليفة حفتر حملة عسكرية على المناطق الليبية التي لا تدين له بالولاء، وعلى الحكومة الشرعية في طرابلس.
وجاء إعلان العرب قبل أسبوع واحد من موعد انعقاد مؤتمر الحوار الوطني في غدامس جنوب ليبيا من 14 إلى 16 أفريل 2019 الذي كان حفتر مدعوا له، بل أثناء وجود الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا.
احتفت تونس بهذه القمة، واعتبرت أنّها جمعت شمل العرب الذين يعيشون أسوأ فترات تاريخهم المعاصر في بدايات القرن الجديد، بسبب التفكك الداخلي والنزاعات البينية، بما حوّل المنطقة العربية إلى ساحات للصراعات الدولية والنزاعات الطائفية، وملاذات لنشاطات التنظيمات الإرهابية.
كان من المنتظر أن يعكف العرب بعد انقضاء القمة على تنزيل مخرجات هذه القمة، التي لم تشهد توتّرا مثلما كان عليه في السابق، لكنّ الجواب جاء من الجارة ليبيا، ولم يكن تحديا سافرا لمخرجات القمة فحسب، بل محاولة لتقويض الاستقرار على الحدود التونسية، وهو ما تطوّع له العسكري المتقاعد انطلاقا من بنغازي نحو الحدود التونسية.
رفض حفتر وداعموه المصالحة الوطنية والعربية، وعبّروا عن موقفهم ميدانيا رفضا لكل المسارات التي ترعاها دول الجوار والجامعة العربية والأمم المتحدة. إنّها مغامرة تريد تأبيد معاناة الشعب الليبي وزيادة قلق الجارة تونس، وتأجيج الطموحات الانقلابية والاستبدادية.
وقد كان واضحا أنّ فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الليبية، المعترف بها دوليا، واعيا بالتهديدات المحدقة بمسار تحقيق الاستقرار في ليبيا والمنطقة، بل من المؤكد أنّ يعلم تفاصيل المخططات التي تحاك ضد ليبيا، وتحدث في القمة العربية عن التدخلات السلبية الخارجية، الإقليمية منها والدولية، التي شجعت بعض الأطراف على عدم الالتزام بالمسار الديمقراطي والابتعاد عن الحل السياسي السلمي.
فبعض المخططات ترى في ليبيا مشروعا للتقسيم وتفتيت المؤسسات، وإن لم يفلح ذلك فليكن إعادة إنتاج الحكم الشمولي وعسكرة الدولة ونسف أحلام الليبيين منذ نصف قرن في دولة مدنية ديمقراطية حديثة.
لا توجد خطوط حمراء أمام من يسعون لخلق المناخ الملائم لانتعاشة التنظيمات الإرهابية، ليجدوا عبره شرعية وجودهم، مهما كان الثمن الذي لا يدفعه سوى المواطنون الأبرياء. وعبر النزوات الشخصية للمشير المتقاعد حفتر تتحقق الرغبات الخارجية في التدخل والامتداد الإقليمي والضغط على الدول المجاورة ومساومتها، بفرض الأمر الواقع، وخاصة على تونس المنخرطة بالكامل في المسار السياسي للتسوية السلمية للملف الليبي.
ويتجلّى استهداف تونس والسعي لمعاقبتها من خلال بعض منصات الإعلام الخليجي المعادي للثورات العربية، والذي يرى في تغيير موازين القوى السياسية في تونس هدفا لحملة حفتر العسكرية، وتم التعبير عن ذلك صراحة في بعض المواقع الإماراتية. كما يهتف لصالح الحملة العسكرية على الغرب الليبي، سياسيون وإعلاميون و”مثقفون” تونسيون معروفون بمعاداة الاستقرار الذي يمكّن مختلف الأطراف دون إقصاء من المشاركة في صنع القرار في بلادهم.
وتأتي حملة حفتر في الوقت الذي التحق فيه الشعبان الجزائري والسوداني بمطالب التغيير الديمقراطي، فاتقدت شعلة الربيع العربي من جديد بعدما اعتبر البعض أنّ الدورة التاريخية للثورة المضادة قد انطلقت.
وفي الوقت الذي يهلل البعض لثورة السودانيين، المشروعة، من أجل إنهاء حكم الفريق عمر البشير، يناصرون عسكريا آخر بجوارهم، وهو دليل تناقض فكري ومبدئي مصدره نزعات تصفية الحسابات وخلق مناخات الفوضى الخلاقة. ولهذا يعادي البعض في تونس الانتفاضة السلمية للجزائريين ويتمنون الحسم العسكري، أملا في ردّة فعل تعيد شرارة الحرب الأهلية التي عاشها البلد خلال تسعينات القرن الماضي، ولا تزال آثارها باقية.
الحماس البالغ، في تونس من مناصري الانقلابات العسكرية والأنظمة الشمولية، تجاه حملة حفتر، يدلّ على وجود خيط ناظم يهدف إلى وقف مسار تأسيس حياة ديمقراطية ومدنية، وإلى خلق المناخات التي تنتعش فيها العصابات والجماعات الإرهابية، التي يأتي على ظهورها مشروع الحكم العسكري أو البوليسي بدعوى حماية الاستقرار ومكافحة التطرف، وهو الشعار ذاته الذي يرفعه حفتر في مواجهة حكومة شرعية مدعومة من الأمم المتحدة.
24/24- لطفي الحيدوري
